حسن الأمين
326
مستدركات أعيان الشيعة
مسعود التركستاني وقد كانا يدرسان بمدرسة أبي حنيفة ، وعلي بن علي الفارقي مدرس مدرسة السيدة زمرد خاتون أم الناصر لدين الله قرب مدفنها المعروف اليوم بقبة الست زبيدة ، وكان شافعيا ، ويعقوب بن صابر المنجنيقي الشاعر ومحمد بن عبد الملك الوظائفي وعيسى بن نصر النميري الشاعر ، وأبو علي الحسن بن محمد بن عبدوس الواسطي ثم البغدادي الشاعر وأبو القاسم أحمد بن علي بن بختيار ، وأبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز بن النطروني الإسكندري الأديب الشاعر ، وقوام الدين نصر بن ناصر بن مكي المدائني وياقوت الرومي الشاعر المتسمي بعبد الرحمن ، وأبو محمد الحسن بن يحيى بن عمارة الكاتب الشاعر وأبو عبد الله محمد بن المهنا البشينائي والمؤيد أبو البركات محمد بن زيد التكريتي ، وأحمد بن المؤمل بن الحسن البغدادي ، وأبو الشكر محمود بن سليمان الموصلي وأبو علي الحسن بن محمد بن طوق الكاتب الشاعر وأبو المعالي هبة الله بن الحسين بن المطلب المنبوز بالجرذ . وما حط الشريف أبو جعفر رحله ببغداد حتى قصده طلاب الأدب وأهل الحديث ، ورواة الشعر والأخبار والأنساب ، فقد كان في كل ذلك علما من الأعلام وإماما من الأئمة ، ولم تستغن بغداد عن علمه وأدبه على كثرة العلماء والأدباء فيها ، لأنه كان يجمع إلى ذكائه سلامة التفكير وحسن التعليل ، وصدق التحليل ، فهو فيلسوف الأدب والأخبار ، وكان من أقرب التلاميذ اليه وأكثرهم اختلافا إلى مجلسه عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله المعروف بابن أبي الحديد الشافعي . صاحب شرح نهج البلاغة ، فقد قرأ عليه كتاب « جمهرة الأنساب » ( 1 ) لابن الكلبي وكتب المغازي وأخبار الدول الإسلامية وكتب الشعر والأدب وفاتشه في أمور كثيرة ، كانت تعتلج في صدره فلا يرى لها حالا ولا معللا ، ورأى الشريف في عز الدين بن أبي الحديد موضعا للثقة ومعدنا للوفاء فأفضى اليه بأحاديث ، كانت ضرورية للثقافة الإسلامية وللتاريخ ، وكان من براعة شارح نهج البلاغة أن سجل تلك الأحاديث بألفاظها تارة وبمعانيها تارة أخرى ، وهو غير مليم في ذلك ، فإنه شرع في تسجيلها بعد أكثر من ثلاثين سنة ، والعجب من حافظته القوية كيف حافظت على المعاني فضلا عن العبارات ! ولعل الشريف لم يكن يظن أن تلميذه هذا سيثبت آراءه في كتاب من الكتب ، لأن شانه السماع لا الايداع . وأثنى ابن أبي الحديد عبد الحميد على أستاذه بما يستحق من المدح وذكر أنه كان ثقة مأمونا متين الديانة جم العلم واسع الفهم وانه وان كان علويا لم يكن ذا هوى تعصبي ولا ذا جنف وانه لم يكن إماميا حتى يقال إنه يذب عن نحلته ويدفع عن مذهبه ، ودونك بعض ما قال في أستاذه الشريف العلامة أبي جعفر . قال في موضع من شرح نهج البلاغة : « وكان النقيب أبو جعفر - رحمه الله - غزير العلم صحيح العقل منصفا في الجدال غير متعصب للمذهب » إلى أن قال « وكان أبو جعفر - رح - لا يجحد الفاضل فضله والحديث شجون » . وقال في موضع آخر : « كان أبو جعفر - رح - مع ما يذهب اليه من مذهب العلويين ، منصفا وافر العقل » . وقال في موضع ثالث : « وقد ذكرت في هذا الفصل خلاصة ما حفظته عن النقيب أبي جعفر ولم يكن امامي المذهب ولا كان يبرأ من السلف ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة ، ولكنه كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه على أن العلوي لو كان كراميا ( 2 ) لا بد ان يكون عنده نوع من تعصب وميل على الصحابة وان قل » . وقال في موضع رابع « سالت النقيب وكان بعيدا عن الهوى والعصبية » . وهذه الأقوال وغيرها لا تثبت قيمتها الا بما سنذكر من البينات التي هي من آثار الشريف أبي جعفر بن أبي زيد ، والا فما أسهل ان يدعي مدع لنفسه أو لغيره انه بعيد عن التعصب الذميم حتى إذا رأيت أعماله وقرأت أقواله وجدته تضج الإنسانية من تعصبه الشديد وتفكيره الباطل البليد ، وهذه عادة الاحتراف بالدين ، والاتجار باليقين ، وقلما تجد مجرما لا يدعي بين يدي الحاكم انه بريء طاهر الذيل صالح الأعمال ، بعيد عن سيرة الأرذال . ولم يكن إقبال الرواة على شعر الشريف أبي جعفر بأقل من إقبالهم على أدبه الأخباري ومسموعاته ، فقد كان شاعرا رقيق الأشعار رائق المعاني ، رشيق الألفاظ وقد قدمنا شيئا من شعره . وذكر أبو المظفر يوسف بن قزأوغلي المعروف بسبط ابن الجوزي ان الشريف أجاز له رواية شعره ، ومن شعره أوائل قصيدة يمدح بها الخليفة الناصر لدين الله وهي : هذا العقيق وهذا الجزع والبان فأحبس فلي فيه أوطار وأوطان آليت والحر لا يلوي أليته ان لا تلذ بطيب النوم أجفان حتى تعود ليالينا التي سلفت بالأجرعين وجيراني كما كانوا يا حبذا شجر الجرعاء من شجر وحبذا روضه المخضل والبان ؟ ! إذا النسيم سرى سالت ذوائبه كأنما الغصن الممطور سكران فللنسيم على الأغصان هينمة وللحمام على الأفنان الحان وبارق لاح والظلماء داجية والنجم في الأفق الغربي حيران هدءا يذكرني هيفاء ضاحكة فلم أنم وغدي هم وأحزان « 3 » كتمت حبك والأجفان تطهره وليس للحب عند العين كتمان درت بالغدر في الأحشاء نار جوى وقد هجرت ففيض العين غدران وهو من الطبقة الأولى من الشعر الصناعي ، ولسنا نطمع من السيد النقيب أن يكون شعره في النسيب والغزل صحيحا بعيدا عن الصناعة ، فليس ذلك من الإنصاف ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ولكننا يجوز لنا أن نقول : لعل الشريف أحب في أيام شبابه ، وذكرى الحب لا تبليها السنون الكثيرة فهي ألذ ما في الحياة من الذكريات . وفي شهر رمضان من سنة « 613 » توفي الله علامة عصره وفريد دهره وشاعر آل أبي طالب أبا جعفر محمد بن أبي زيد ودفن في مقابر قريش عند مشهد الإمام موسى بن جعفر « الكاظمية » وغاب ذلك العالم الفاضل الأديب الكامل الشاعر البارع ، وكانت الحسرات عليه كثيرة والأسف شديدا ، فافة
--> ( 1 ) وكان عالما بالنسابين حدث قال « لم يكن تحت السماء أعرف من أبي علي عبد الحميد بن التقي » الأنساب « وكان يحدث عن معرفة هذا النسابة بالعجائب ، كذا قال الصفدي في ترجمة عبد الحميد . ( 2 ) الكرامية بتشديد الراء اتباع محمد بن كرام من أصحاب المقالات ، كان يعد الله جسما كالأجسام .